أبي حيان الأندلسي

207

البحر المحيط في التفسير

قالوا : ومن شرطه أن لا يمل ، ففي ( الصحيح ) : يستجاب لأحدكم ما لم يعجل ، يقول : قد دعوت فلم يستجب لي . وخصص الدعاء بأن يدعوا بما ليس فيه إثم ، ولا قطيعة رحم ، ولا معصية ، ففي الصحيح عن أبي سعيد قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما من مسلم يدعوه بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه اللّه تبارك وتعالى إحدى ثلاث : إما أن يعجل له دعوته ، وإما أن يدخر له ، وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها » . وينبغي أن يكون الدعاء بالمأثور ، وأن لا يقصد فيه السجع ، سجع الجاهلية ، وأن يكون غير ملحون . وترتجى الإجابة من الأزمان عند السحر ، وفي الثلث الأخير من الليل ، ووقت الفطر ، وما بين الأذان والإقامة ، وما بين الظهر والعصر في يوم الأربعاء ، وأوقات الاضطرار ، وحالة السفر والمرض ، وعند نزول المطر ، والصف في سبيل اللّه ، والعيدين ، والساعة التي أخبر عنها النبي صلى اللّه عليه وسلم في يوم الجمعة : وهي من الإقامة إلى فراغ الصلاة : كذا ورد مفسرا في الحديث ، وقيل : بعد عصر الجمعة ، وعندما تزول الشمس . ومن الأماكن : في الكعبة ، وتحت ميزابها ، وفي الحرم ، وفي حجرة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والجامع الأقصى . وإذا كان الداعي بالأوصاف التي تقدمت غلب على الظن قبول دعائه ، وأما إن كان على غير تلك الأوصاف فلا ييأس من رحمة اللّه ، ولا يقطع رجاءه من فضله ، فإن اللّه تعالى قال : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ « 1 » وقال سفيان بن عيينة : لا يمنعن أحد من الدعاء ما يعلم من نفسه ، فإن اللّه تعالى قد أجاب دعاء شر الخلق إبليس : قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * « 2 » . وقالت المعتزلة : الإجابة مختصة بالمؤمنين الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ « 3 » لأن وصف الإنسان بأن اللّه أجاب دعوته صفة مدح وتعظيم ، والفاسق لا يستحق التعظيم ، بل الفاسق قد يطلب الشيء فيفعله اللّه ولا يسمى إجابة . قيل : والدعاء أعظم مقامات العبودية لأنه إظهار الافتقار إلى اللّه تعالى ، والشرع قد ورد

--> ( 1 ) سورة الزمر : 39 / 53 . ( 2 ) سورة الحجر : 15 / 36 . وسورة ص : 38 / 79 . ( 3 ) سورة الأنعام : 6 / 82 .